يؤكد عالم الحاسوب البارز بيتر دينينج في كتابه الجديد أن الافتراضات الأساسية التي وضعها آلان تورينج عام 1950 ما زالت تؤثر على مسار بحوث الذكاء الاصطناعي حتى اليوم. يرى دينينج أن الافتراض الأول بإمكانية وجود ذكاء مستقل عن الجسد المادي، والثاني بقدرة الآلة على محاكاة الإنسان في الحوار، قد قادا المجال نحو طريق مسدود وأنتجا الأزمات التي يشهدها الذكاء الاصطناعي الآن.
في صلب حجة دينينج تقع فكرة المعرفة الضمنية، وهي الكم الهائل من الفهم الإنساني الذي لا يمكن صياغته بسهولة في كلمات أو تمثيله بصيغة تستطيع الحاسوب معالجتها. يشير إلى أن التعلم الآلي عاجز عن التقاط خمسة أنواع رئيسية من هذه المعرفة: الحس السليم والتفاعلات اليومية والعواطف والإدراك والمهارات العملية والمعرفة الثقافية والتاريخية. حتى مشروع "Cyc" الشهير، الذي جمع حوالي 25 مليون إدخالة من حقائق الحس السليم على مدى أربعة عقود، لم يتمكن من تزويد الأنظمة الخبيرة بذكاء كافٍ.
يركز دينينج على ما يسميه "مشكلة التمثيل": الحاسوب لا يستطيع سوى إجراء عمليات على بيانات تم ترميزها في أشكال مادية يتعرف عليها. المعرفة الضمنية، بطبيعتها، لا تندرج في هذا الإطار. نماذج اللغة الكبيرة مثل ChatGPT و Claude و Gemini تتعامل فقط مع الكلمات كرموز، وليس مع معانيها الحقيقية التي تشكلها معرفة عميقة وسياق غني.
يؤكد دينينج أن السياق والثقافة يشكلان عقبات إضافية لا يمكن تذليلها. الحوارات الإنسانية مشبعة بافتراضات ضمنية تستمد معناها من محادثات سابقة في سياقات مختلفة بنمط لا نهائي. ثقافتنا تحتوي على قيم وأعراف وتاريخ وعلاقات قوة ترعاية لا يمكن أن تكتسبها أنظمة اللغات من خلال توسيع شبكاتها العصبية.
ينتهي دينينج إلى نتيجة قاتمة حول سلامة الذكاء الاصطناعي: الفجوة بين فهم الإنسان والآلة قد تكون غير قابلة للعبور. آلات ذات ذكاء مختلف لن تفهم نواياتنا الضمنية، مما قد يجعل مواءمتها مع أهدافنا مستحيلة. الخطر الحقيقي لا يأتي من آلات خارقة الذكاء، بل من شبكات آلية قادرة على إحداث أضرار جسيمة دون أن تشاركنا قيمنا أو طريقة تفكيرنا.
Comments (0)
No comments yet. Be the first.